عبد العزيز الدريني
23
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
الفصل الثالث في الذكر الحمد للّه الذي تفرّد في أزليته بعزّ كبريائه ، وتوحد في صمديته بدوام بقائه ، ونوّر بمعرفته قلوب أوليائه ، وطيب أسرار القاصدين بطيب ثنائه ، وسكّن خوف الخائفين بحسن رجائه ، ونعمّ أرواح المحبين في رياض معاني أسمائه ، وأسبغ على الكافة جزيل عطائه ، وقسم بين عباده ؛ فالقبول والرد والوصول والصد والخمول والجد بمشيئته وقضائه . الحىّ العليم فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في أرضه وسمائه ، الولي القدير فلا شريك له في تدبيره وإنشائه ، السميع البصير فلا يخفى عليه حركة ذرة في لجة البحر عند تلاطم أمواجه وتراكم ظلماته ، المتكلم بكلام أزلي قديم لا يشبه كلام خلقه ، والقرآن كلام اللّه أنزله بنهيه وأمره ووعده وإيعاده وأنبائه ، الملك العزيز الذي من التجأ إلى حماه عزّ بالتجائه ، وانقطع الفقير إلى بابه وشكا مواجيد برحائه واكتفى بتدبيره لأنه مطلع على ما في سويدائه . فوجد عنده الشفاء ومن أولى منه بشفائه ، ظهرت شواهد وجوده فدليل توحيده في غاية ضيائه ، فالعلوى والسفلى والعرش والكرسي والجنى والإنسى في دائرة الافتقار إلى تدبيره وإبقائه ، استوى على العرش من غير افترار ولا افتقار ولا استقرار ولا كيفية لاستوائه ، له الجلال والجمال والكمال والثناء الذي قصرت الألباب عن إحصائه ؛ فالصامت ناطق من حيث الدلالة والناطق صامت وإن بالغ في الإقالة ، فإن للعقل حدا يقف عند انتهائه ، فرّط المعطل فما اهتدى وأفرط المشبه واعتدى فهلكا في قفار الجهل وبيدائه ؛ فالعارف أشرق قلبه بمعرفة اللّه تعالى وأطرق سره لهيبة اللّه فتسر بل بجماله ؛ فسبحان من تقرب برأفته ورحمته ونور هدايته إلى قلوب أحبابه ، وتعرف لعباده بمحاسن صفاته فانبسطوا لذكره ودعائه ، ودعانا إليه بقوله سبحانه وتعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ، فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ) .